فصل: ثاني عشرين ربيع الأول

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ الجبرتي المسمى بـ «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» **


 ثاني عشرين ربيع الأول

وردت الأخبار من القطار الحجازية بوقوع حرابة عظيمة بيـن المصريين وعرب الينبع وخلافهم من قبائل العربان والأشراف ووقعت الهزيمة على المذكورين وقتل وزير الينبع المتولي من طرف شريف مكة وقتل معه خلائق كثيرة‏.‏

وفـي تاسـع شهـر ربيـع الآخـر وصـل نجـاب إلـى مصـر من الديار الحجازية وأخبر بدخول محمد بك ومن معه إلى مكة وانهزام الشريف أحمد وخروجه هاربًا ونهب المصرين دار الشريف ومن يلوذ به وأخذوا منها أشياء كثيرة من أمتعة وجواهر وأموال لها قدر وجلس الشريف عبد الله في إمـارة مكـة ونـزل حسـن بـك إلـى بندرجـدة وتولـى إمارتهـا عوضـًا عـن الباشـا الذي تولاها من طرف ملـك الـروم ولذلك عرف بالجداوي وأقام محمد بك أيامًا بمكة ثم عزم على المسير والرجوع إلى مصر ووصلت الأخبار والبشائر بذلك وأرسلت إليه الملاقاة بالعقبة وخلافها فلما ورد الخبر بوصولـه إلـى العقبـة خرجـت الأمـراء إلـى بركـة الحـاج والـدار الحمـراء لانتظـار قدومـه فوصل في أوائل شهر رجب ودخل إلى مصر في ثامنه في موكب عظيم وأتت إليه العلماء والأعيان للسلام وقصدته الشعراء بالقصائد والتهاني‏.‏

وفي منتصف رجب المذكور عزل علي بك عبد الرحمن أغا مستحفظان وقلد عوضه سليم أغـا الوالـي وقلـد عـوض الوالـي موسـى أغـا مـن أتباعـه وأمـر عبد الرحمن أغا بالسفر إلى ناحية غزة وهـي أول حركاتـه إلـى جهـة الشـام وأمـره بقتل سليط شيخ عربان غزة فلم يزل يتحيل عليه حتى قتله هو وأخوته وأولاده وكان سليط هذا من العصاة العتاة له سير وأخبار‏.‏

وفيه زاد اهتمام علي بك بالتحرك على جهة الشام واستكثر من جمع طوائف العساكر وعمل بالقسماط والبـارود والذخائـر والمـؤن وآلـات الحـرب وأمـر بسفـر تجريـدة وأميرهـا اسمعيـل بـك وصحبتـه علـي بـك الطنطـاوي وعللـي بـك الحبشـي فبـرزوا إلـى جهـة العادلية وخرجوا بما معهم من طوائف العسكر والمماليك والأحمال والخيام والجباخانات والعربات والضوبة وقرب الماء الكثيرة على الجمال والكرارات والمطابخ والطبول والزمور والنقاقير وغير ذلك فلما تكامل خروجهـم أقاموا بالعادلية أيامًا حتى قضوا لوازمهم وارتحلوا وسافروا إلى جهة الشام‏.‏

وفي حادي عشرينه برزت تجريدة أخرى وعليها سليمان بك وعمر كاشف وحملة كثيرة من العساكر فنزلوا من طريق البحر على دمياط‏.‏

وفي عاشر شهر القعدة وردت أخبار من جهة الشام وأشيع وقوع حرابات بينهم وبين حكام الشام وأولاد العظم‏.‏

وفي منتصف خرجت تجريدة أخرى وسافر على طريق البر على النسق‏.‏

وفي سابع عشره طلب علي بك حسن أغا تابع الوكيل والروزنامجي وباش قلفة واسمعيل أغا وفـي أواخـره عمـل علـي بك دراهم على القرى وقرر على كل بلد مائة ريال وثلاثمائة ريال حق طريق فضجت الناس من ذلك وطلب من النصارى القبط مائة ألف ريال ومن اليهود أربعين ألفًا وقبضت جميعها في أسرع وقت‏.‏

من مات في هذه السنة مات الشيخ العمدة الفاضل الكامل الأديب الماهر الناظم الناثر الشيخ عبد الله بن عبد الله بن سلامة الأدكاوي المصري الشافعي الشهير بالمؤذن ولد بادكو وهي قريـة قـرب رشيـد سنـة 104 كما أخبر من لفظه وبها حفـظ القـرآن وورد إلـى مصـر فحضـر دروس علمـاء عصـره وأدرك الطبقـة الأولـى واشتهـر بفـن الـأدب وانضـوى إلـى فخـر الأدباء في عصره السيد علي أفندي برهان زاده نقيب السادة الأشراف فأنزله عنده في إكرام واحتفل به وكفاه المؤنة من كل وجه وصار يعاطيه كؤوس الآداب ويصافيه بمطارحة أشهى من ارتشاف الرضاب وحج بصحبته بيت الله الحـرام وزار قبـر نبيـه عليه الصلاة والسلام وذلك سنة 1147 وعاد إلى مصر وأقبل على تحصيل الفنون الأدبية فنظم ونثر ومهر وبهر ورحل إلى رشيد وفوة والإسكندرية مرارًا واجتمع على أعيـان كـل منهـا وطارحهـم ومدحهـم وفـي سنـة تسـع وثمانيـن رأيـت مـن نظمـه بيتيـن بخطه في جدار جامع بن نصر الله بقوة تاريخ كتابتهما سنة خمس وأربعين وبعد وفاة السيد النقيب تزوج وصـار صاحـب عيـال وتنقلـت بـه الأحوال وصار يتأسف على ما سلف من عيشه الماضي في ظـل ذلـك السيـد قـدس سره فلجأ إلى أستاذ عصره الشيخ الشبراوي ولازمه واعتنى به وصار لا ينفـك عنـه ومدحـه بغرر قصائده وكان يعترف بفضله ويحترمه ولما توفي انتقل إلى شيخ وقته الشمس الحنفي فلازمـه سفـرًا وحضـرًا ومدحـه بغـرر قصائـده فحصلـت لـه العنايـة والإعانـة وواساه بما به حصلت الكفاية والصيانة وله تصانيـف كلهـا غـرر ونظـم نظامـه عقـود الـدرر فمنهـا الـدرة الفريـدة والمنـح الربانيـة فـي تفسير آيات الحكم العرفانية والقصيدة للزدية في مدح خير البرية ألفها لعلي باشا الحكيم ومختصر شرح بانت سعاد للسيوطي والفوائح الجنائية في المدائح الرضوانية جمع فيها أشعار المادحين للمذكور ثم أورد في خاتمتها ماله من الأمداح فيه نظمًا ونثـرًا وهدايـة المتهوميـن في كذب المنجمين والنزهة الزهية بتضمين الرجبية نقلها من الفرائض إلى الغزل وعقود الدرر في أوزان الأبحر الستة عشر التزم في كل بيت منها الاقتباسات الشريفة والدر الثمين في محاسن التضمين وبضاعة الأريب في شعر الغريب وذيلها بذيل يحكي دمية القصر وله المقامة التصحيفية والمقاومة القمذية في المجون وله تخميس بانـت سعـاد صدرهـا بخطبـة بديعة وجعلها تأليفًا مستقلًا وديوانه المشهور على حروف التهجي وغير ذلك وقد كتب بخطه الفائق كثيرًا من الكتب الكبار ودواوين الأشعار وكل عدة أشياء من غرائب الأسفار رأيت من ذلك كثيرًا وقاعدة خطه بين أهل مصر مشهورة لا تخفى ورأيت مما كتب كثيرًا فمن الدواوين ديوان حسان رضي الله عنه رأيته بخطه وقد أبدع في تنميقه وكتب على حواشيه شرح الألفاظ الغريبة ونزهـة الألبـاب الجامـع لفنـون الـآداب ولـه مطارحـات لطيفـة مـع شعـراء عصره والواردين على مصر ولم يزل على حاله حتى صار أوحد زمانه وفريد عصره وأوانه ولمـا توفـي الأستـاذ الحنفـي اضمحـل حالـه ولعـب بلبالـه واعترتـه الأمراض ونصب روض عزه وغاض وتعلل مدة أيام حتى وافاه الحمام في نهار الخميس خامس جمادى الأولى من السنة وأخرج بصباحه وصلى عليه بالأزهر ودفن بالمجاورين فسرب تربة الشيخ الحنفي وفي سنـة ثلـاث وسبعين ومائة وألف لما اختلفت خدام المشهد النفيسي وكبيرهم إذ ذاك الشيخ عبد اللطيف في أمر العنز وذلك أنهم أظهروا عنزًا صغيرة مدرة زعموا أن جماعة من الأسرى ببلاد الإفرنج توسلوا بالسيدة نفيسة وأحضروا تلك العنز وعزموا على ذبحها في ليلة يجتمعون فيها يذكرون ويدعـون ويتوسلـون فـي خلاصهـم ونجاتهـم من الأسر فاطلع عليم الكافر فزجرهم وسبهم ومنعهم من ذبح العنز وبات تلك الليلة فرأى رؤيا حالته فلما أصبح أعتقهم وأطلقهم وأعطاهم دراهم وصرفهـم مكرميـن ونزلـوا فـي مركـب وحضروا إلى مصر وصحبتهم تلك العنز وذهبوا إلى المشهد النفيسـي بتلـك العنـز وذكـروا فـي تلـك العنـز غير ذلك من اختلافهم وخورهم كقولهم أنهم يوم كذا أصبحوا فوجدوها عند المقام أو فوق المنارة وسمعوها تتكلم أو أن السيدة تكلمت وأوصت عليها وسمع الشيخ المذكور كلامها من داخل القبر وأبرزها للناس وأجلسها بجانبه ويقول للناس ما يقوله من الكذب والخرافات التي يستجلب بها الدنيا وتسامع الناس بذلك فأقبل الرجـال والنساء من كل فج لزيارة تلك العنزة وأتوا إليها بالنذور والهدايا وعرفهم أنها لا تأكل إلا قلب اللوز والفستق وتشرب ماء الورد والسكر المكرر ونحو ذلك فأتوه بأصنـاف ذلـك بالقناطيـر وعمل النساء للعنز القلائد الذهب والأطواق والحلي ونحو ذلك وافتتنوا بها وشاع خبرها في بيوت الأمراء وأكابر النساء وأرسلن على قدر مقامهـن مـن النـذور والهدايـا وذهبـن لزيارتهـا ومشاهدتها وازدحمن عليها فأرسل عبد الرحمن كتخـدا إلـى الشيـخ عبـد اللطيـف المذكـور والتمـس منـه حضـوره إليـه بتلـك العنـز ليتبـرك بها هو وحريمه فركب المذكور بغلته وتلك العنز في حجره ومعه طبول وزمور وبيارق ومشايخ وحوله الجم لغفير من الناس ودخل بها بيت الأمير المذكور على تلك الصورة وصعد بها إلى مجلسه وعنده الكثير من الأمراء والأعيان فزارها وتملس بها ثم أمر بإدخالها إلى الحريم ليتبركن بها وقد كان أوصى الكلارجي قبل حضوره بذبحهـا وطبخهـا فلمـا أخذوهـا ليذهبـوا بهـا إلـى جهـة الحريـم أدخلوها إلى المطبخ وذبحوها وطبخها قيمـة وحضـر الغـداء وتلـك العنـز فـي ضمنـه فوضعوهـا بيـن أيديهـم وأكلـوا منهـا والشيخ عبد اللطيف كذلك صار يأكل منها والكتخدا يقول‏:‏ كل يا شيخ عبد اللطيف من هذا الرميس السمين فيأكـل منهـا ويقـول‏:‏ واللـه إنـه أطيـب ومستـو ونفيـس وهـو لا يعلـم أنـه عنـزه وهم يتغامزون ويضحكون فلما فرغوا من الأكل وشربوا القهوة وطلب الشيخ العنز فعرفه الأمير أنها هي التي كانت بين يديه في الصحن وأكلها فبهت فبكته الأمير وربخه وأمره بالانصراف وأن يوضع جلد العنـز علـى عمامتـه ويذهـب به كما جاء بجمعيته وبين يديه الطبول والأشاير ووكل به من أوصله محله على تلك الصورة ولم يزل المترجم حتى تعلعل بالأمراض والأسقام واضمحل منه الجسم والقـوى بالآلـام حتـى وافـاه الحمـام فـي يـوم الخميـس خامـس جمـادى الأولى من السنة رحمه الله وابنه العلامـة السيـد أحمـد المعـروف بكتيكـت مفتـي الشافعيـة بثغـر سكندريـة والسيـد هلـال الكتبـي توفيا بعده بسنين والشيخ صالح الصحاف موجود مع الأحياء أعانه الله على وقته‏.‏

ومات الإمام الفصيح البارع الفقيه الشيخ جعفر بن حسن بن عبد الكريم ابن محمد بن رسول الحسيني البرزنجي المدني مفتي الشافعية بها ولد بالمدينة وأخذ عن والده والشيخ محمد حيوة السنـدي وأجـازه السيـد مصطفـى البكـري وكـان يقـرأ دروس الفقـه داخـل بـاب السلام وكان عجيبًا في حسن الإلقاء والتقرير ومعرفة فروع المذهب تولى الإفتاء والخطابة مدة تزيد على عشريـن سنـة كـان قـوالًا بالحق أمارًا بالمعروف واجتمع به الشيخ سليمان بن يحيى شيخ المشايخ وذكره في رحلته وأثنى عليه وله مؤلفات منها البر العاجل بإجابة الشيخ محمد غافل والقبض اللطيـف بإجابة نائب الشرع الشريف وفتح الرحمن على أجوبة السيد رمضان توفي في شهور هذه السنة قيل مسمومًا والله أعلم‏.‏

ومات الولي العارف أحد المجاذيب الصادقين الأستاذ الشيخ أحمد ابن حسن النشرتي الشهير بالعريان كان من أرباب الأحوال والكرامات ولد في أول القرن وكان أول أمره الصحو ثم غلب عليـه السكـر فأدركـه المحـو وكانت له في بدايته أمور غريبة وكان كل من دخل عليه زائرًا يضربه بالجريد‏.‏

وكان ملازمًا للحج في كل سنة ويذهب إلى موالد سيدي أحمد البدوي المعتادة‏.‏

وكان أميًا لا يقرأ ولا يكتب وإذا قرأ قارئ بين يديـه وغلـط يقـول لـه ق فإنـك غلطـت وكـان رجـلًا جلاليـًا يلبـس الثيـاب الخشنة وهي جبة صوف وعمامة صوف حمراء يعتم بها على لبدة من صوف ويركب بغلة سريعة العدو وملبسه دائمًا على هذه الصفة شتاء وصيفًا وكان شهير الذكـر يعتقد الخاصة والعامة وتأتي الأمراء والأعيان لزيارته والبرك به ويأخذ منهم دراهم كثيرة ينفقها على الفقراء المجتمعين عليه وأنشأ مسجده تجاه الزاهد جوار داره وبنى بجواره صهريجًا وعمل لنفسه مدفنًا وكذلك لأهله وأقاربه وأتباعه واتحد به شيخنا السيد أحمد العروسي واختص به اختصاصًا زائدًا فكان لا يفارقه سفرًا ولا حضرًا وزوجه إحدى بناته وهـي أم أولـاده وبشـره بمشيخة الجامع الأزهر والرئاسة فعادت عليه بركته وتحققت بشارته وكان مشهورًا بالاستشـراف علـى الخواطـر توفـي رحمـه اللـه في منتصف ربيع الأول وصلى عليه بالأزهر ودفن بقبره الذي أعده لنفسه في مسجده نفعنا الله به وبعباده الصالحين‏.‏

ومات الفقيه الصالح الشيخ علي بن أحمد بن عبد اللطيف البشبيشي الشافعي روى عن أبيه عن البابلي توفي في غاية ربيع الثاني من السنة‏.‏

ومات الشيخ المبجل الصالح المفضل الدرويش الشيخ أحمد المولوي شيخ المولوية بتكية المظفر وكان إنسانًا حسنًا لا بأس به مقبلًا على شأنه منجمعًا عن خلطة كثير من الناس إلا بحسب الدواعي توفي في سابع عشرين ربيع الآخر من السنة ولم يخلف بعده مثله‏.‏

ومات المقدام الخير الكريم صاحب الهمة العالية والمروءة التامة شمس الدين حمودة شيخ ناحية برمـه بالمنوفيـة أخـذ عـن الشيـخ الحفنـي وكـان كثير الاعتقاد فيه والإكرام له ولأتباعه وله حب في أهـل الخير واعتقاد في أهل الصلاح ويكرم الوافدين والضيفان‏.‏

وكان جميل الصورة طويلًا مهيبًا حسن الملبس والمركب‏.‏

توفي يوم الخميس حادي عشر رجب من السنة وخلف أولادًا منهم محمد الحفني الذي سماه على اسم الشيخ لمحبته فيه وأحمد وشمس الدين‏.‏

ومات بقية السلف ونتيجة الخلف الشيخ أحمد سبط الأستاذ الشيخ عبد الوهاب الشعراني وشيخ السجادة كان إنسانًا حسنًا وقورًا مالكًا منهج الاحتشـام والكمـال منجمـًا عـن خلطـة الناس إلا بقدر الحاجة‏.‏

توفي يوم السبت ثامن صفر من السنة وخلف ولده سيـدي عبـد الرحمن مراهقًا تولى بعده على السجادة مع مشاركة قريبه الشيخ أحمد الذي تزوج بوالدته‏.‏

ومات الإمامة العلامة الفقيه الصالح الناسك صائم الدهر الشيخ محمد الشوبري الحنفي تفقه على الشيخ الاسقاطي والشيخ سعودي وبعد وفاة المذكورين لازم الشيخ الوالد وتلقى عنه كثيـرًا وكان إنسانًا حسنًا وجيهًا لا يتداخل فيما لا يعنيه مقبلًا على شأنه صائم الدهر وملازمًا لداره بعد حضور درسه وكان بيته بقنطرة الأمير حسين مطلًا على الخليج‏.‏

سنة خمس وثمانين ومائة وألف أخرج علي بك تجريدة عظيمة وسر عسكرها وأميرها محمـد بـك أبـو الذهـب وأيـوب بـك ورضـوان بك وغيرهم كشاف وأرباب مناصب ومماليكهم وطوائفهم وأتباعهم وعساكر كثيرة من المغاربة والترك والهنود واليمانية والمتاولة وخرجوا في تجمل زائد واستعداد عظيم ومهيأ كبير ومعهـم الطبـول والزمـور والذخائـر والأحمـال والخيـام والمطابـخ والكـرارات والمدافـع والجبخانات ومدافع الزنبلـك علـى الجمـال وأجنـاس العالـم ألوفـًا مؤلفـة وكذلـك أنزلـوا الاحتياجـات والأثقـال وشحنوا بها السفن وسافرت من طريق دمياط في البحر‏.‏

فلما وصلوا إلى الديار الشامية فحاصروا يافا وضيقوا عليها حتى ملكوها بعد أيام كثيرة ثم توجهوا إلى باقي المدن والقرى وحاربهم النواب والولاة وهمزموهم وقتلوهم وفروا من وجوههم واستولوا على المماليك الشامية إلى حد حلب ووردت البشائر بذلك فنودي بالزينة فزينت مصر وبولاق ومصر العتيقة زينة عظيمة ثلاثة أيام بلياليها وتفاخروا في ذلك إلى الغاية وعملت وقدات وأحمال قناديل وشموع بالأسـواق وسائـر الجهـات وعملـوا ولائم ومغناي وآلات وطبولًا وسنكًا وحراقات وغير ذلك وذلك في شهـر ربيـع أول مـن السنـة‏.‏

وتعاظـم علـي بـك فـي نفسـه ولـم يكتـف بذلـك فأرسـل إلـى محمـد بـك يأمـره بتقليـد الأمـراء المناصـب والولايات على البلاد التي افتتحوها وملكوها وإن يستمر في سيره ويتعـدى الحـدود ويستولـي علـى المماليـك إلـى حيـث شـاء وهو يتابع إليه إرسال الإمدادات واللوازم والاحتياجـات‏.‏

ولا يثنـون عنانهـم عمـا يأمرهـم بـه‏.‏

فعند ذلك جمع محمد بك أمراءه وخشداشينه الكبـار فـي خلـوة وعـرض عليهـم الأوامـر فضاقت نفوسهم وسئموا الحرب والقتال والغربة وذلك ما فـي نفـس محمـد بـك أيضـًا‏.‏

ثم قال لهم‏:‏ ما تقولون قالوا‏:‏ وما الذي نقوله والرأي لك فأنت كبيرنا ونحن تحت أمرك وإشارتك ولا نخالفك فيمـا تأمـر بـه‏.‏

فقـال‏:‏ ربمـا يكـون رأيـي مخالفـًا لأمـر أستاذنا‏.‏

قالوا‏:‏ ولو مخالفًا لأمره فنحن جميعًا لا نخرج عن أمرك وإشارتك فقال‏:‏ لا أقول لكم شيئـًا حتـى نتحالـف جميعـًا ونتعاهـد علـى الـرأي الذي يكون بيننا‏.‏

ففعلوا ذلك وتعاهدوا وحلفوا علـى السيـف والكتـاب‏.‏

ثـم أنـه قـال لهـم‏:‏ إن أستاذكـم يريـد أن تقطعـوا أعماركم في الغربة والحرب والأسفـار والبعـد عـن الأوطـان وكلمـا فرغنـا من شيء فتح علينا غيره فرأيي أن نكون على قلب رجل واحد ونرجع إلى مصر ولا نذهب إلى جهة من الجهات وقد فرغنا من خدمتنا وإن كان يريـد غيـر ذلـك مـن المماليـك يولـي أمـراء غيرنـا ويرسلهم إلى ما يريد ونحن يكفينا هذا القدر ونرتاح فـي بيوتنـا وعنـد عيالنـا‏.‏

فقالـوا جميعًا‏:‏ ونحن على رأيك‏.‏

وأصبحوا راحلين وطالبين إلى مصر فحضـروا فـي أواخر شهر رجب على خلاف مراد مخدومهم وبقي الأمر على السكوت‏.‏

ثم أن علي بك قلد أيوب بك إمارة جرجا وقضى أشغاله وسافر إلى الصعيد بطائفته وأتباعه‏.‏

وانقضـى شهـر شعبـان ورمضـان وعلـي بـك مصمـم على رجوع محمد بك إلى جهة الشام‏.‏

وذلك مصمـم علـى خلـاف ذلـك‏.‏

وبـدت بينهما الوحشة الباطنية‏.‏

فلما كان ليلة رابع شهر شوال بيت علي بك مع علي بك الطنطاوي وخلافه واتفق معهم على غدر محمد بك فركبوا عليه ليلًا وأحاطوا بداره ووقفه له العساكر بالأسلحة في الطرق فركب في خاصته وخرج من بينهم وذهب إلى ناحية البساتين وارتحل إلى الصعيد‏.‏

فحضر إليه بعض الأمراء أصحاب المناصب وعلـي كاشـف تابـع سليمـان أفنـدي كاشـف شـرق أولـاد يحيـى وقدموا له ما معهم من الخيام والمال والاحتياجات‏.‏

ولم يـزل فـي سيـره حتـى وصـل إلـى جرجـا واجتمـع عليـه أيـوب بـك خشداشـه وأظهـر له المصافاة والمؤاخاة وقدم له هدايا وخيولًا وخيامًا فلم يلبث إلا وقد أحضر عيون محمد بك يأمره ويستحثه على عمل الحيلة وقتل محمد بك بأي وجه أمكنه ويعده إمارته وبلاده وغير ذلـك‏.‏

فلما قرأ المراسلة وفهم مضمونها أكرم الرجل وقال له‏:‏ تذهب إليه بالكتاب وأثني بجوابه ولك مزيد الإكرام فذهب ذلك الساعي وأوصل الكتاب إلى أيوب بك وطلب منه رد الجواب وأعطـاه الجـواب وذكـر فيـه أنه مجتهد في تتميم الغرض ومترقب حصول الفرصة‏.‏

فحضر به إلى محمد بك‏.‏

فعند ذلك استعد محمد بـك وتحقـق خيانتـه ونفاقـه فاتفـق مـع خاصتـه وأمرائـه بالاستعداد والوثوب وأنه إذا حضر إليه أيوب بك أخذ أربـاب المناصـب نظراءهـم وتحفظـوا عليهـم‏.‏

فلمـا حضـر فـي صبحهـا أيـوب بـك جلـس معـه فـي خلـوة وأخـذ كـل مـن الخازنـدار والكتخدا والجوخـدار والسلحدار نظراءهم من جماعة محمد بك ثم قال محمد بك يخاطب أيوب بك‏:‏ يا هل ترى نحن مستمرون على الأخوة والمصافاة والصداقة والعهد واليمين الذي تعاقدنا عليـه بالشام قال‏:‏ نعم وزيادة‏.‏

قال‏:‏ ومن نكث ذلك وخان اليمين ونقض العهد قال‏:‏ يقطع لسانه الـذي حلـف بـه ويـده التـي وضعهـا على المصحف‏.‏

فعند ذلك قال له‏:‏ بلغني أنه أتاك كتاب من أستاذنـا علـي بـك‏.‏

فجمـد ذلـك فقال‏:‏ لعل ذلك صحيح وكتبت له الجواب أيضًا‏.‏

قال‏:‏ لم يكن أبـدًا ولـو أتانـي منـه جـواب لأطلعتـك عليه ولا يصح أني أكتمه عنك أو أرد له جوابًا‏.‏

فعند ذلك أخـرج لـه الجـواب مـن جيبـه وأحضـر إليـه الرسـول فسقـط فـي يـده وأخـذ يتنصـل ببارد العذر‏.‏

فعند ذلك قال له‏:‏ حينئذ لا تصح مرافقتك معي وقم فاذهب إلى سيدك وأمر بالقبض عليه وأنزلوه إلـى المركـب وأحـاط بوطاقـه وأسبابـه وتفرقـت عنـه جموعـه‏.‏

فلمـا صار وحيدًا في قبضته أحضر عبـد الرحمـن أغـا وكـان إذ ذاك بناحيـة قبلي وانضم إلى محمد بك فقال له‏:‏ اذهب إلى أيوب بك واقطع يده ولسانه كما حكم على نفسه بذلك‏.‏

فأخذ معه المشاعلي وحضر إليه في السفينة وقطعـوا يمينـه ثـم شبكـوا فـي لسانـه سنـارة وجذبـوه ليقطعـوه فتخلـص منهم وألقى بنفسه في البحر فغرق ومات‏.‏

وكان قصد محمد بك أن يفعل به ذلك ويرسله على هذه الصورة إلى سيده بمصر‏.‏

ثم إنهم أخرجوه وغسلوه وكفنوه ودفنوه‏.‏

فعندما وقع ذلك أقبلـت الأمـراء والأجنـاد المتفرقـون بالأقاليـم علـى محمـد بـك وتحققـوا عنـد ذلـك الخلـاف بينـه وبيـن سيده وقد كانوا متجمعين عـن الحضور إليه ويظنون خلاف ذلك‏.‏

وحضر إليه جميع المنافي وأتباع القاسمية والهوارة الذين شردهم علي بك وسلب نعمتهم فأنعم عليهم وأكرمهم وتلقاهم بالبشاشة والمحبة واعتذر لهم وواساهم وقلدهم الخدم والمناصب وهم أيضًا تقيدوا بخدمته وبذلوا جهدهم في طاعته‏.‏

ووصلـت الأخبـار بذلـك إلـى مصـر وحضـر إليـه كثير من مماليك أيوب بك وأتباعه سوى من انضم منهم والتجأ إلى محمد بك وأتباعه فعند ذلك نزل بعلي بك من القهر والغيظ المكظوم ما لا يوصف وشرع في تشهيل تجريدة عظيمة وأميرها وسر عسكرها اسمعيل بـك واحتفـل بهـا احتفـالًا كثيـرًا وأمـر بجمـع أصنـاف العساكـر واجتهـد فـي تنجيـز أمرهـا في أسرع وقت وسافروا برًا وبحـرًا فـي أواخـر ذي العقـدة‏.‏

فلمـا التقـى الجمعـان خامـر اسمعيـل بـك وانضـم بمـن معـه مـن الجموع إلى محمـد بـك وصـاروا حزبـًا واحدًا ورجع الذين لم يميلوا وهم القليل إلى مصر‏.‏

فعند ذلك اشتد الأمـر بعلـي بـك ولاحـت علـى دولته لوائح الزوال وكاد يموت من الغيظ والقهر وقلد سبع صناجق والكل مزلقون وسماهم أهل مصر السبع بنات وهم مصطفى بك وحسن بك ومراد بك وحمزة بك ويحيى بك وخليل بك كوسه ومصطفى بك أود باشه وعمـل لهـم برقـًا وداقمـًا ولـوزام وطبلخانات في يومين وضم إليهم عساكر وطوائف ومماليك وأتباعـًا وبـرز بنفسـه إلـى جهـة البساتيـن وشـرع فـي تشهيـل تجريـدة أخـرى وأميرها علي بك الطنطاوي وأخرج الجبخانات والمدافع الكثيرة وأمر بعمل متاريس من البحر إلى جهة الجبل وانقضت السنة‏.‏

من مات في هذه السنة ممن له ذكر مات الإمام الفقيه الصالح الخير الشيخ علي بن صالح بن موسى بن أحمد بن عمارة الشاوري المالكي مفتي فرشوط قرأ بالأزهر العلوم ولازم العلامة الشيخ علي العدوي وتفقه عليه وسمع الحديـث مـن الشيـخ أحمـد ابـن مصطفـى السكنـدري وغيـره ورجع إلى فرشوط فولي إفتاء المالكية بها فسار فيها سيرًا مقتصدًا ولما ورد عليه الشيخ ابن الطيب راجعًا من الروم تلقى عنه شيئًا من الكتب وأجازه وكان لشيخ العرب همام بن يوسف في حقه عناية شديدة وصحبة أكيـدة وكانـت شفاعـات العلمـاء مقبولـة عنـده بعنايتـه ولذلـك راج أمره واشتهر ذكره وطار صيته‏.‏

وكان حسن المذاكرة والمحاورة محتشمًا في نفسـه مجمـلًا فـي ملابسـه وجيهـًا معتبـرًا فـي الأعيـن‏.‏

وألـف شيخنـا السيـد محمـد مرتضـى باسمـه نشـق الغوالـي مـن الموريـات العوالـي وذلك أيام رحلته إلى فرشوط ونزوله عنده ورفع شأنه عند شيخ العرب وأكرمه إكرامًا كثيرًا ولما تغيـرت أحـوال الصعيد قدم إلى مصر مع ابن مخدومه وما زال بها حتى توجه إلى طندتا وكان يعتريه حصر البـول فيجلـس أيامـا وهـو ملـازم للفـراش فـزار وعـاد‏.‏

توفي يوم دخوله إلى بولاق نهار الثلاثاء ثالث عشر شعبان من السنة وكان يومًا مطير ذا رعد وبرق فوصل خبره إلى الجامع الأزهر فخرج إليه الشيخ علي الصعيدي وكثير من العلماء وتخلف من تخلف لذلك العـذر فجهـزوه هنـاك وكفنـوه وأتـوا به إلى الأزهر وأراد الشيخ الصعيدي دفنه في مدفن عبد الرحمن كتخدا لصعوبة ومات الفقيه الفاضل العلامة الشيخ علي بن عبد الرحمن بن سليمان ابن عيسى بن سليمان الخطيب الجديمي العدوي المالكي الأزهري الشهير بالخرائطي ولد في أول القرن وقدم الجامع الأزهـر فحضـر دروس جماعـة من فضلاء العصر ولازم بلدية الشيخ علي الصعيدي ملازمة كلية ودرس بالأزهر ونفع الطلبة وكان إنسانًا حسنًا منور الشيبة ذا خلـق حسـن وتـودد وبشاشـة ومروءة كاملة وكان له ميل تام في علم الحديث ويتأسف على فوات اشتغاله به ويحب كلام السلف ويتأمـل فـي معانيـه مـع سلامـة الاعتقـاد وكثـرة الإخلـاص‏.‏

توفـي عشيـة يـوم الأربعـاء ثانـي المحـرم افتتاح سنة 1185‏.‏

ومـات الإمـام العلامـة الفاضل المحقق الدراك المتفنن الشيخ محمد بان اسمعيل بن محمد بن اسمعيل بن خضر النقراوي المالكي كان والده من أهل العلم والصلاح والزهد عن جانب عظيم وعمر كثيـرًا حتـى جاوز المائة وانحنى ظهره وتوفي سنة 1178‏.‏

تربى المترجم في حجر أبيه وحفظ القـرآن والمتـون وحضـر دروس الشيـخ سالـم النقـراوي والشيـخ خليـل المالكـي وغيرهمـا وتفقه وحضر المعقول على كثيـر مـن الفضـلاء ومهـر وأنجـب درس وكـان جيـد الحافظـة قـوي الفهـم والغـوص علـى عويصـات المسائـل ودقائـق العلـوم مستحضـرًا للمسائـل الفقهيـة والعقليـة ولمـا بلغ المنتهى في العلوم المشهورة تاقت نفسه للعلوم الحكمية والرياضية فأحضره والده للشيخ الوالد سنة 1171 والتمس منه مطالعته عليه فأجابه إلى ذلك ورحب به وكان عمره إذا ذاك نيفًا وعشريـن سنـة‏.‏

ولمـا رأى مـا فيـه مـن الذكـاء والنجابـة والقوة الاستعدادية والجد في الطلب اغتبط به كثيرًا وصرف إليه همته وأقبل عليه بكليته وأعطاه مفتاح خزانة بالمنزل يضع فيها كتبه ومتاعه واشترى له حمارًا ورتب له مصروفًا وكسوة ولازمه ليلًا ونهارًا ذهابـًا وإيابـًا حتـى اشتهـر بنسبتـه إليـه فكـان يرسلـه فـي مهماتـه وأسـراره إلـى أكابـر مصـر وأعيانها مثل علي بك وعبد الرحمن كتخدا وغيرهما فيحسن الخطاب والجواب مع الحشمة وحسن المخاطبة مع معرفتهم بفضله وعلمه وكانوا يكرمونه‏.‏

ومدحهم بقصائد لم أعثر على شيء منها للإهمال وطول العهد فكان لا يذهـب إلـى داره إلا فـي النـادر بعـد حصـة مـن الليـل ويرجـع فـي الفجـر وينـزل إلـى الجامـع بعـد طلوع النهـار فيقـرأ درسيـن ثـم يعـود فـي الضحـوة الكبـرى فيقيـم إلـى العصـر فيذهـب إلـى الجامـع فيقـرأ درسًا في المعقول ثم يعود‏.‏

وهكذا كان دأبه إلى أن مات‏.‏

تلقى عنه فـن الميقـات والهيئـة والهندسـة وهدايـة الحكمـة وشرحهـا القاضـي زادة والجغمينـي والمبادي والغايات والمقاصد في أقل زمن مع التحقيق والتدقيق وحضر عليه المطول والمواقف والزيلعـي فـي الفقـه برواق الجبرت بالأزهر وغير ذلك كل ذلك بقراءته وعانى علم الأوفاق وتلقاه عن الشيـخ المرحـوم حتـى أدرك أسـراره وأقبلـت عليـه روحانيتـه‏.‏

وأجـازه الملـوي والجوهـري والحفنـي والعفيفـي وغيرهـم ولمـا نفـي علـي بك إلى النوسات إلى الشيخ فطلب منه أشياء يرسلها إليه مع المترجم فأرسله إليه وأقام عنده أيامًا ورجع من غير أن يعلم أحد بذهابه ورجوعه وكـان يكتـب الخـط الجيـد وجـوده علـى الشيـخ أحمـد حجـاج المعـروف بأبـي العـز‏.‏

وكتـب بخطه كثيرًا وألف حاشية على شرح العصام على السمرقندية وأجوبة عن الأسئلة الخمسة التي أوردها الشيـخ أحمـد الدمنهـوري علـى علمـاء العصـر وأعطاهـا إلى علي بك وقال له‏:‏ أعطها للعلماء الذين يترددون عليك يجيبوني عنها إن كانوا يزعمون أنهم علماء فأعطاهـا علـي بـك للشيـخ الوالـد وأخبره بمقابلة الشيخ الدمنهوري فقال له‏:‏ هذه وإن كانت من عويصات المسائـل يجيـب عنهـا ولدنـا الشيـخ محمد النقراوي‏.‏

والخمسة الأسئلة المذكورة‏:‏ الأول في إبطال الجزء الذي لا يتجزأ‏.‏

الثاني في قول ابن سينا ذات الله نفس الوجود المطلق ما معناه‏.‏

الثالث في قول أبي منصور الماتريدي معرفة الله واجبة بالعقل مع أن المجهول من كل وجه يستحيل طلبه‏.‏

الرابع في قول البرجلي إن من مات من المسلمين لسنا نتحقق موته على الإسلام‏.‏

الخامس في الاستثناء في الكلمة المشرقة هل هو متصل أو منفصل‏.‏

فأجاب عنها بأجوبة منطوية على مطار الأنظار دلت على رسوخه وسعة اطلاعه وغوصه ومعرفته بدقائق كلام أذكياء الحكماء والمتكلمين وفضلاء الأشعرية والماتريدية‏.‏

وعانى الرسم فرسم عدة بسائط ومنحرفات وحسب كثيرًا من الأصول والدساتير وتصدى لتعليم الطلبة الذين كانوا يردون مـن الآفـاق لطلـب العلـوم الغريبـة وكتـب شرحـًا علـى متـن نـور الإيضـاح فـي الفقـه الحنفـي باسـم الأميـر عبـد الرحمـن كتخـدا وله رسالة سماهـا الطـراز المذهـب في بيان معنىالمذهب وهي عبارة عن جواب على سؤال ورد من ثغر سكندريـة نظمـًا وكان له سليقة جيدة في النثر والنظم ولما ورد إلى مصر محمد أفندي سعيد قاضيًا في سنـة 1181 امتدحـه بقصيـدة بليغـة لـم أعثـر عليهـا وكـان بـه حـدة طبيعـة وهـي التـي كانـت سببـًا لموتـه وهـو أنـه حصـل بينـه وبيـن الشيـخ البجرمي منافسة فشكاه إلى الشيخ الدمنهوري وهو إذ ذاك الشيخ الجامع فأرسل إليه فلما حضر عنده في مجلسه بالأزهر فتحامل عليه فقام من عنـده وقـد أثـر فيـه القهـر ومـرض أيامـًا وتوفـي فـي شهـر جمـادى الثانيـة مـن السنـة‏.‏

واغتـم عليـه الشيـخ المرحومي غمًا شديدًا وتأثر لفراقه وحزن لموته وتوعك أيامًا بسبب ذلك‏.‏

ومات الإمام الفقيه العلامة المفتي الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد الله الشرقاوي الشافعي تفقه علـى علمـاء عصـره وحضـر دروس الأشيـاخ المتقدمين كالملوي والحفني والبراوي والشيخ أحمد رزة والشيخ عطية الأجهوري وأنجب في الأصول والفروع الفقهية وتصدر ودرس وانقطع والإفتاء والقضاء بين المتخاصمين من أهل القرى للإفادة وأكثرهم من أهل بلاده وكان لا يفـارق محـل درسـه بالأزهـر مـن الشـروق إلـى الغـروب‏.‏

وانفـرد بالإفتـاء مـدة طويلـة علـى مذهبه وقلما يرى فتوى ومـات